"حي بن يقظان " رائعة الفلسفة والتربية
النزعة الطبيعية في التربية عند أبن طفيل الأندلسي
تدفقت العبقرية العربية الإسلامية بعطاءات فكرية تربوية وفلسفية يندر مثيلها في تاريخ الفكر الإنساني. وقد شكلت هذه العطاءات منطلقا من منطلقات النهضة التربوية في الحضارة الغربية في مختلف تجلياتها. وفي التربية كما هو الحال في الفلسفة وغيرها نجد نوعا من الطفرات الإبداعية العبقرية التي ما زالت تحظى بإعجاب المفكرين وتثير دهشتهم. وليس في قولنا أي نوع من التعصب القومي إذا قلنا بأن النزعة الطبيعة في التربية كانت منذ البدء عربية الهوية إسلامية التكوين. وأن ابن طفيل الأندلسي في مأثرته الخالدة "حي بن يقظان" يمثل الأب الروحي للنزعة الطبيعية في التربية ورائدا لها في القرن الرابع عشر أي قبل ولادة جان جاك روسو بأربعة قرون. وليس في هذا القول تجنيا على الحركة الطبيعية التي شهدناها في القرن الثامن عشر بزعامة جان جاك روسو زعيم النزعة الطبيعية في عصره. وإن كان روسو قد قدم للإنسانية نسقا نظريا متكاملا وأصيلا لهذه النزعة فإن ابن طفيل نسج خيوطها الأساسية وغرس بذورها الأولى، ولا يستطيع احد في دنيا المعرفة أن ينكر هذه الحقيقية الصارخة في الفكر الإنساني.
ومما لا شك فيه أن روسو يختلف عن ابن طفيل في نبل الغايات والأهداف، فجان جاك روسو كان منظّرا ومفكرا تربويا شغلته هموم التربية والسياسة بالدرجة الأولى، في الوقت الذي كان فيه ابن طفيل فيلسوفا يؤسس لنظرية معرفية تتجاوب مع أهم القضايا الفلسفية المطروحة في عصره. وابن طفيل في رائعته "حي بن يقظان" كان يواجه تحديا فلسفيا يتمثل في مسألة التوفيق بين المعرفة الدينية والمعرفية العقلية. ومهما يكن الأمر فإن بن طفيل الأندلسي يعد أول من قدم للإنسانية نسقا فكريا أدبيا فلسفيا يستعرض فيه أهمية الطبيعة ودورها في بناء العقل والإنسان وتشكيل الرؤى الشمولية للوجود والكون.
كان ابن طفيل فيلسوفا ومفكرا موسوعيا، ويقدمه المؤرخون لنا قاضيا وفقيها وطبيبا وفيلسوفا وفلكيا. وقد عرف بشأنه الكبير عند السلطان أبو يعقوب يوسف القيسي حيث تقلد وزارته. وكان السلطان أبو يعقوب يوسف القيسي شغوفا بالمعرفة والعلم والأدب يقرب إليه العلماء والفلاسفة وأهل الرأي حيث حظي ابن طفيل بمكانة كبيرة في إمارته، فكان ابن طفيل كاتبه ووزيره وطبيبه ومستشاره وجليسه. وإليه يعود الفضل في تقديم ابن رشد للأمير أبو يعقوب يوسف القيسي والثناء عليه والمشورة بتعيينه قاضيا في دولته. وبقي ابن طفيل في بلاط السلطان أبو يعقوب يوسف القيسي على عظم مكانته حتى تقدمت به السنون وطعن في السن فتخلى عن وظيفته في الطب والوزارة والقضاء لتلميذه الفيلسوف المشهور ابن رشد. وقد توفي رحمه الله عام 581هـ/1185 ميلادية في مدينة مراكش ودفن فيها.
حي بن يقظان
أودع ابن طفيل الأندلسي أفكاره التربوية وخلاصة تصوراته الفلسفية في عمله المشهور حي بن يقظان الذي طبقت شهرته الأفاق في عالمي الفلسفة والأدب. وقد وصف كتابه هذا بأنه قصة في فلسفة وفلسفة في قصة حيث كتبت بأسلوب أدبي ساحر وأخاذ. ويشكل كتابه هذا بالمقياس الأدبي رائعة أدبية فذة تأخذ مكانها بين أروع إبداعات الأدب العالمي. ويصف عبد الكريم اليافي هذه الرائعة بأنها " لؤلؤة من أجمل لآلي الفكر العربي الإسلامي". هذا وتمثل رائعة ابن طفيل "حي بن يقظان " نوعا من المغامرة العقلية لابن طفيل واستجابة للحوار الفلسفي الدائر في زمنه حول العلاقة ما بين العقل والنقل أو ما بين الدين والفلسفة ومدى قدرة العقل الخالص في الوصول إلى الدليل القاطع والحجة الدامغة بوجود الله جلّ جلاله().
بعض النقاد يرجعون الأصل القصصي لحي بن يقظان إلى أسطورة يونانية قديمة وإلى عهد الإسكندر المقدوني تحديدا ، ومهما يكن أمر الأصل في هذه القصة فإن النقاد والمؤرخين يؤكدون أن ابن طفيل هو مبتكر هذا الأسلوب القصصي البديع ، وهذا ما يؤكده الفرنسي غوتييه مترجم هذه القصة إلى الفرنسية(). وليس غريبا أن يكون ابن سينا قد كتب قصة تحمل الاسم نفسه باحثا فيها عن طبيعة الصراع بين العقل والشهوة. ثم نجد هذا العنوان مرة أخرى لقصة حاك فصولها السهرودي في محاولة منه للبحث أيضا عن قضية الصراع الوجودي بين الشهوات ووصول الإنسان إلى حالة الكشف والاتصال بعد تحرره من ضغط الشهوة وإكراهات الميول المادية. وهذا كله يعني أن هذا العنوان قد تصدر مجموعة من الأعمال التي تختلف مضامينها باختلاف العصور واختلاف الغايات.
ويؤكد المؤرخون والنقاد بأن قصة حي بن يقظان لابن طفيل كانت من أكثر كتب الدنيا انتشارا. لقد ذاع صيت هذه القصة وتلقفها الأدباء والعلماء والمفكرون في الشرق والغرب فانكبوا على قراءتها والبحث في معانيها واستشراف غاياتها وقد أدهشهم أسلوبها الأدبي الساحر وأغرقتهم فصولها بالمعاني الفلسفية والإشراقات الأدبية فكان لها شأن ينقطع نظيره في تاريخ الفكر الإنساني. لقد ترجمت هذه القصة إلى أغلب لغات العالم تقريبا ويندر أن تغيب معاني هذه القصة عن عالم أو فيلسوف أو أديب منذ القرن الرابع عشر حتى المرحلة الحاضرة.
الخلفيات الفكرية لقصة ابن طفيل الفلسفية:
يبين ابن طفيل أن الدافع الذي ألهمه كتابة هذه القصة سؤال أثاره أحد المهتمين بقضايا الخلق والنشوء والارتقاء الذي طلب منه وضع إجابة عن سؤال يتمحور حول أصل المعرفة الإنسانية، وقد قدر لهذا السؤال أن يفجر عبقرية ابن طفيل وان ينهض بإشراقاته الفلسفية وحدوسه الإنسانية، فتجلت في إبداعه العبقري لهذه
البحث كاملا الرجاء انقر هنا |