العدوانية في سيكولوجيا فرويد إرهاصات المفهوم في مدرسة التحليل النفسي
الدكتور علي أسعد وطفة - جامعة الكويت
مركز الرافدين للدراسات والبحوث الاستراتيجية
مايو/ إيار - 2012
العدوانية في سيكولوجيا فرويد إرهاصات المفهوم في مدرسة التحليل النفسي
تصدير:
في أصل العدوانية يكمن فيض أسرار لا يتناهى تنوعه ولا ينقطع تدفقه. وفي البحث عن خفايا هذه القضية وأسرارها يشدّ علماء النفس الرحال ويعقد علماء الاجتماع العزم. فالعدوانية حقيقة بيوسيكولوجية تضرب جذورها في أعماق الكائنات على امتداد تنوعها واختلاف صورها وتجلياتها، وهي حقيقية تشتد غموضا كلما اشتد الطلب في الكشف عن ماهيتها واستجلاء خفاياها.
لقد شكلت هذه القضية منذ بداية التاريخ الإنساني هاجسا يقض مضاجع المفكرين والفلاسفة، وما زال العقل الإنساني حتى اليوم يكدّ في البحث عن ماهية العدوانية، ويجدّ في الكشف عن أسرارها وخفاياها وضروب تجلياتها. ويفيض تاريخ الفكر بعظيم المحاولات الفكرية التي تسعى دون انقطاع إلى استجلاء هذه الحقيقية التي ما زالت نسبيا في دوائر المتاهات الغامضة. ويأتي هذا السعي الفكري الإنساني المستمر تكثيفا لإرادة إنسانية تريد أن تهتك حجب الحقيقية، دون أن تقف عند حدود التفسيرات الأحادية الجانب، التي تنأى عن القصد وتضعف عن اللحاق بخفايا هذه الظاهرة أسرارها. وفي نسق هذا القصد فإن الكشف عن ماهية هذه الظاهرة وجوهرها أمر يتجاوز حدود القناطر والتخوم العلمية المعروفة. فالعنف ليس حقيقة سوسيولوجية أو نفسية أو بيولوجية فحسب بل هو حقيقة تتكون من هذه الأبعاد جميعها وتتجاوزها في الآن الواحد.
تأخذ العدوانية صورة رمزية مشّفرة لتكوينات نفسية واجتماعية بالغة التنوع، وبالتالي فإن هذه الصورة بما تنطوي عليه من خفايا رمزية تتحدى الجهود العلمية وتشكل حتى اليوم رهانا علميا يشد العقل الإنساني ويشتدّ في طلبه. ويضاف إلى هذا كله طابع التغير الدائم في طبيعة الأشياء الذي يجعل من اللحاق بهذه الحقيقة الغامضة أمرا في غاية الصعوبة. وإذا كانت الإقرار بحقيقة مطلقة يتنافى مع الروح العلمية، فإن هذه الروح العلمية تسعى إلى تقليص المسافة بين الوهم والحقيقة وإلى الكشف عن أسرار الأشياء وخفاياها بصورة مستمرة. وانطلاقا من هذه الروح العلمية يأتي البحث الدائم عن حقيقة العنف وماهية العدوان وذلك لما لهذه الظاهرة من أهمية كونية في عالم الإنسان القديم والمعاصر.
ومع أهمية الجهود العلمية التي كرست لدراسة ظاهرة العنف والعدوانية فإن هذه الحقيقة ما زالت في أطوارها الجنينية، وما زال هذا الجانب يحتاج إلى مزيد من الجهود العلمية التي يمكنها أن تقف على تضاريس هذه الظاهرة ولا سيما من الناحية السيكولوجية. وهنا تجدر الإشارة إلى وجود عدد كبير وهام من الأعمال السيكولوجية التي تناولت هذه القضية وحاولت استجلاء معانيها، إلا أنها ما زالت قاصرة عن تفسير السلوك العدواني عند الإنسان وتحديد أبعاده واسقاطاته الإنسانية. فالأبحاث النقدية التي أجريت حول هذه الظاهرة ما زالت في طور البداية والانطلاق وفي هذه البدايات تظهر الصعوبات المنهجية التي تعترض البحث النقدي وذلك لما تتسم به هذه القضية من أهمية وخطورة.
ومثل هذه القضية بما تنطوي عليه من صعوبات منهجية وتحديات علمية واجتماعية كانت دائما وابدا تحتاج إلى مفكرين مرموقين يمتلكون مشروعية البحث النقدي بما عرفوا به من جدارة علمية وأصالة منهجية وقد سجل فرويد نفسه بين كبار المغامرين الذين هتكوا حجب هذه القضية وكشفوا الستار عن الأصول النفسية لظاهرة العدوانية الإنسانية.
لقد عرك هذه القضية وتمرس في الكشف عن أسرارها المذهلة محاولا عبرها أن يكتشف منابع السلوك الإنساني وأن يحدد المكتنزات الكبرى للطاقة النفسية عند الإنسان. فالنزعة العدوانية تأخذ مركز الأهمية في المنظور الفرويدي، ومن هذا المنطلق يسعى فرويد بعبقريته الفذة ليرسم الخطوط العريضة لاستراتيجية العدوان والعنف. وفي سعيه هذا استطاع أن يقدم للمعرفة الإنسانية تصورات علمية دقيقة ومتكاملة منهجيا ومعرفيا في محاولة منه للكشف عن ماهية هذه الظاهرة وتحديد أبعادها.
لقد جاءت الرؤى المتغايرة لفرويد حول العنف نتيجة طبيعية لنسق رؤيته الفلسفية المتغايرة للوجود. حيث كان يؤمن، في كل مرحلة من مراحل تفكيره، بأن الحقيقة لا ترتسم دفعة واحدة بل تنمو وترتسم وتتكامل في تجليات متناسقة عبر دوائر الزمان والمكان. وعلى هذا الأساس كانت عبقريته السيكولوجية تتفتق بعطاءات نوعية متجددة تفكيره العلمي. وتأسيسا على ذلك كان فرويد كالرسام الذي يبدع لوحته في مرتسم العدوانية، حيث يقدم صورة متنامية لظاهرة العنف والعدوانية على مدى مراحل تاريخية متباعدة من نشاطه المعرفي، وكانت هذه الصورة ترتبط دائما بمدى اكتشافاته العلمية المختلفة وبمدى اتساع نظرته لمنابع السلوك الإنساني ودينامياته.
وفي إطار معالجته لهذه القضية استطاع أن ينمي منهجية علمية تتميز بالأصالة والجدارة واستطاع عبر هذه المنهجية أن يقدم فيضا متناسقا ومتكاملا من العطاءات المعرفية في مجال تفسير العنف والعدوانية في السلوك الإنساني.
كان منهجه العلمي وعقيدته الفكرية ترفضان معا كل أشكال التصلب والجمود العلميين، وعلى هذا الأساس كان يلجأ إلى مراجعة ذاتية مستمرة لأفكاره وتصوراته؛ وكان تواقا إلى أن يضع رؤاه ونظرياته تحت مجهر النقد العلمي الأصيل وقد سرّه دائما أن تكون أعماله في متناول الباحثين والدارسين ليقف فيما بعد على ما يبديه هؤلاء الباحثين من آراء نقدية حول مقولاته وعطاءاته الفكرية.
وإذا كانت نظرية فرويد حول العدوانية الإنسانية واحدة من أهم عطاءاته المعرفية في ميدان التحليل النفسي، فإن الدراسات النقدية التي تناولت هذا العطاء بصورة نقدية ومنهجية ما زالت في طور البدايات والبدايات الخجلة تحديدا. وهذا على خلاف ما عرفناه من جدل علمي دارت رحاه حول الجوانب الأخرى من نظرية فرويد في التحليل النفسي ولا سيما حول قضايا الليبيدو والجنس واللاشعور. ومن منطلق ندرة البحث النقدي في مسألة العدوانية عند فرويد فإن بحثنا هذا يأتي استجابة لضرورة منهجية يمكنها أن تلبي منطق الحاجة العلمية إلى رؤية نقدية متكاملة جادة لمنظور فرويد في العدوانية الإنسانية.
وبعيدا عن وهج الروح النقدية التي تفيض بها هذه الدراسة لمناحي الرؤية الفرويدية في العدوانية، فإن دراسة الأسس النفسية لظاهرة العنف قمينة بأن تحمل لنا فيضا من العطاءات التربوية التي نتلمس حاجتها في ميدان العمل التربوي الجاد. فالعدوانية هي الظاهرة التي تسم سلوكنا في ميدان التربية والتعليم؛ وما أحوجنا اليوم إلى رؤية علمية سيكولوجية تضع ظاهرة العدوانية أمام العقل، لتضيء لنا جوانب مظلمة في فعالياتنا التربوية، تمكننا من بناء تربية تعزز في الإنسان القيمة العليا للحياة الإنسانية في مستواها التربوي.
فالعدوانية تشكل مرضا من أمراض العصر، وداءً يلمّ بأطراف الحياة التربوية المعاصرة في خضم عصر يختنق بتطوراته الذاتية، ولذلك فإن الكشف العلمي المتنامي عن قانونية هذه الظاهرة في مستوياتها المختلفة يشكل ضرورة تربوية لازبة. وتأسيسا على ذلك تأتي دراستنا هذه محاولة نقدية كاشفة عن الأصول السيكولوجية للعدوانية في نسق عطاءات فكرية ما تزال تحتل قطب المركزية في مجال التفسير السيكولوجي لهذه الظاهرة المعقدة.
ويضاف إلى ذلك أن الدراسة الحالية تحاول أن تقدم صورة علمية لمنهجية فرويد المتفردة في مقاربته لقضايا العنف والعدوانية والظواهر النفسية عبر دائرتي الزمان والمكان من جهة، ومن جهة أخرى فإن هذا العمل النقدي يأتي بدوره كمحاولة منهجية تتناول أعمال فرويد ومساعيه الخلاقة في هذا الميدان.
وعلى خلفية هذه المعاني التي سجلنا بعضا من أهميتها ندعو القارئ المهتم والمتخصص والمثقف أن يرحل معنا في مضامين هذه المحاولة آملين له أن يجد ما يلبي الحاجة العلمية وما يشبع الفضول المعرفي المتقدم نحو بناء تصورات علمية ورصينة عن ظاهرة العنف والعدوانية في أنساقها النفسية والاجتماعية.
وقبل الخوض في دراسة المظاهر العدوانية في التكوين النظري عند فرويد آثرنا في البداية أن نقدم تحليلا لمفهوم العدوانية والمفاهيم المتداخلة معه وذلك تمهيدا للبحث في القضايا الصميمية لمفهوم العدوان وتجلياته في نظرية التحليل النفسي.
الكتاب كاملا الرجاء اضغط هنا |